صديق الحسيني القنوجي البخاري
470
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ أي يتبرأون من عبادتكم لهم ، ويقولون : ما كنتم إيانا تعبدون ، ويجوز أن يرجع : والذين تدعون من دونه وما بعده إلى من يعقل ممن عبدهم الكفار ، وهم الملائكة والجن والشياطين والمعنى : أنهم يجحدون أن يكون ما فعلتموه حقا وينكرون أنهم أمروكم بعبادتهم كما أخبر اللّه عن عيسى بقوله : ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ [ المائدة : 116 ] ، قال القرطبي : ويجوز أن يندرج فيه الأصنام أيضا أي : يحييها اللّه حتى تخبر بأنها ليست أهلا للعبادة . وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ أي لا يخبرك أيها المفتون بأسباب الغرور مثل من هو خبير بالأشياء ، عالم بخبايا الأمور ، وهو اللّه سبحانه فإنه لا أحد أخبر بخلقه وأقوالهم وأفعالهم منه سبحانه ، وهو الخبير بكنه الأمور وحقائقها ثم ذكر سبحانه افتقار خلقه إليه ومزيد حاجتهم إلى فضله فقال : يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ المحتاجون إِلَى اللَّهِ في جميع أمور الدين والدنيا فهم الفقراء إليه على الإطلاق في أنفسهم وفيما يعرض لهم من سائر الأمور وتعريف الفقراء للمبالغة في فقرهم ، كأنهم لشدة افتقارهم وكثرة احتياجهم هم الفقراء ، وأن افتقار سائر الخلائق بالإضافة إلى فقرهم غير معتدّ به ولذلك قال : وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً [ النساء : 28 ] ، ولم يسمهم بالفقراء للتحقير بل للتعريض على الاستغناء ، ولهذا وصف نفسه بالغنى الذي هو مطمع الأغنياء فقال : وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ على الإطلاق الْحَمِيدُ المستحق للحمد من عباده بإحسانه إليهم ثم ذكر سبحانه نوعا آخر من الأنواع التي يتحقق عندها افتقارهم إليه واستغناؤهم عنهم فقال : إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ كلكم إلى العدم ويفنيكم وفيه بلاغة كاملة أي ليس إذهابكم موقوفا إلا على مشيئته ثم زاد على بيان الاستغناء بقوله : وَيَأْتِ بدلكم بِخَلْقٍ جَدِيدٍ يطيعونه ولا يعصونه أو يأت بنوع من أنواع الخلق ، وعالم من العوالم غير ما تعرفون . وَما ذلِكَ الإذهاب بكم والإتيان بآخرين عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ أي بممتنع ولا متعسر ، وقد مضى تفسير هذا في سورة إبراهيم . [ سورة فاطر ( 35 ) : الآيات 18 إلى 22 ] وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ( 18 ) وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ ( 19 ) وَلا الظُّلُماتُ وَلا النُّورُ ( 20 ) وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ ( 21 ) وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلا الْأَمْواتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ( 22 ) وَلا تَزِرُ ولا تحمل نفس وازِرَةٌ آثمة وِزْرَ إثم نفس أُخْرى